ع

en




فلسفة الجمال

10 / / 2018

الدكتورة مواهب الخطيب     

شعر:

 

جمال الروح ذاك هو الجمالُ                تطيب به الشمال والخِلالُ

 

ولا تُغني إذا حسنت وجوه                   وفي الأجساد أرواح ثقال

 

ولا الأخلاق ليس لها جذور                 من الايمان توّجها الكمال

 

زهور الشمع فاتنة ولكن                  زهور الروض ليس لها مثال

 

حبال الود بالإخلاص تقوى                 فإن يذهب فلن تقوى الحبال

 

حذارِ من الجدال فكم صديق                    يعاديه إذا إحتدم الجدال

 

بأرض الخِصب إما شئت فازرع              ولا تجدي إذا زرعت رمال

 

قيمة الجمال في القرآن الكريم

 

الجمال ثالث ثلاثة من القيم التي شغلت الفكر البشري منذ بدأت المسيرة الإنسانية على ظهر الأرض لتحقق الرسالة التي من أجلها خلق الله الإنسان، وهي العبودية الخالصة لله وحده، هذه القيم الثلاثة هي: الحق والخير والجمال.

 

والجمال له جانبان: حسّي ومعنوي، وقد أخفق الفكر الإنساني تماماً في وضع مقاييس ثابتة لكليهما.

 

ولقد ورد لفظ “جميل” و”جمال” في ثماني آيات من القرآن الكريم، منها موضع واحد عن الجمال الحسّي.

 

يقول تبارك وتعالى في الحديث عن الأنعام وما فيها من جمال ومتاع: {ولكُم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} (النحل:6)، وهذه الآية تقدّم صورة للجمال عندما تحسّ به النفس الإنسانية فيملأ جوانبها سعادة ومسرّة هي الآية الوحيدة التي تتحدّث عن الجمال الحسّي بلفظ الجمال الصريح. وهُناك آيات أخرى تتحدّث عن الجمال في الكون بغير لفظه.

 

من ذلك حديث القرآن الكريم عن خلق الإنسان، إذ قال تعالى بعد أن وصف مراحل الخلق التي مرّ بها الإنسان:{ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} (المؤمنون:14)، ولا شكّ في أنّ مخلوقاً لأحسن الخالقين يكون على أرفع مستوى من الجمال والإتقان.

 

وهُناك آيات أُخرى تكشف عن ظواهر الجمال في خلق الإنسان، وهي تتمثّل في التسوية، والتعديل، والتقويم، فيقول تعالى:{يا أيُّهَا الإنسانُ ما غرّك بربِّك الكَريم* الذي خلقك فسوَّاك فعدلك* في أيّ صورة ما شاء ركّبك} (الانفطار:6ـ8)، ويقول جلّ وعَلا: {لّقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أحسَنِ تَقْوِيم} (التين:4).

 

وفي حديثٍ عن الجمال في السموات والأرض يقول سبحانه: {بديعُ السَّمواتِ والأرضِ} (الأنعام:101}، ومعنى هذا تأكيد جوانب الإبداع في أنحاء الكون الكبير.

 

وفي موطن آخر يقدّم القرآن صوراً بديعة من جمال الكون، بُرهاناً على البعث، فيقول تعالى: {أفَلَم ينظُروا إلى السَّماء فَوقَهم كَيفَ بَنينَاهَا وزَيّناهَا وما لها من فروج* والأرضَ مددناها وألقينا فيها رَواسِى وأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيج* تَبصرةً وذِكرَى لِكلِّ عَبدٍ مُنيب* ونَزّلنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكَاً فَأنْبَتْنَا بِه جَنّاتٍ وحَبّ الحَصِيد* والنَّخلَ بَاسِقَات لَهَا طَلعٌ نَضِيد* رِزقَاً للعِبادِ وأحْيَيْنَا بِه بَلدةً ميتاً كذلك الخروج} (ق:6ـ11).

 

فنلمح من مظاهر الجمال التي أبرزتها الآيات كلمة: {وزيّناها} ممَّا يجعل الزينة ـ وهي من أبرز عناصر الجمال ـ عنصراً في بناء الكون، وكذا قوله تعالى: {وما لها من فروج}، والاتساق والتكامل من مظاهر الجمال، وكذا قوله تعالى:{من كل زوج بهيج} ـ {حبّ الحصيد} ـ {والنخيل باسقات} ـ {طلع نضيد}، وهذه العبارات كُلها تصوّر أنماطاً من الجمال لها مغزاها الكبير.

 

وهذه الصّور الجمالية في الكون العظيم تردّدت في عدّة آيات، منها قوله تعالي: {الذي خَلَقَ سَبعَ سَمواتٍ طِباقَاً مَا تَرَى في خَلقِ الرَّحْمَنِ من تَفاوُت فارجِع البَصَرَ هَل تَرَى مِنْ فُطُور* ثم ارجِعِ البَصرَ كرَّتين يَنقلِبُ إليكَ البَصُرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِير* ولقد زيّنا السماء الدُّنيا بمَصابيحَ وجَعلنَاها رُجُومَاً للشياطين} (الملك3ـ5).

 

فتناسقُ الخَلقِ، مظهرٌ أصيلٌ للجمال، وتزيين السماء بالنجوم يجعل الجمال هدفاً في الخلق، أشارت إليه الآيات من سورة ق، وأوضحته الآيات من سورة المُلك، كما ذكرته أيضاً هذه الآية: {إنّا زينّا السماء الدنيا بزينة الكواكب* وحفظاً من كل شيطان مارد} (الصافات:6،7).

 

ومن جمال الحياة الثياب؛ يلبسها الإنسان فتستره وتُجمّله، يقول تعالى: {يا بَنِي آدم قد أنزلنا عليكم لِبَاسَاً يُوارِي سُوءاتِكُم ورِيشَاً ولباسُ التَقوَى ذَلك خيرٌ} (الأعراف:26).

 

ومع أنّ المنهج الإسلامي يؤثر الجمال المعنوي، وجمال الحياة الباقية، لكنّه يرعى حاجات الإنسان ومطالبه الغالبة في الدُّنيا، بل يغريه بقضائها إغراءاً مُلحّاً في إطار الطيِّب والحلال الذي يزيد الجميل جمالاً؛ فيقول:{يا بني آدم خُذُوا زِينَتكِم عند كُلِّ مَسجدٍ وكُلُوا واشرَبُوا ولا تُسرفُوا إنّه لا يُحبُّ المُسرفين. قُل مَن حرّم زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِهِ والطَيِّبَاتِ مِن الرِزق قُل هِي للذين آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا خَالِصَةً يومَ القيامة…} (الأعراف:31،32). إنّ البيان القرآني يعرض الجمال عنصراً أساسياً في بناء الكون، ودعامة من دعامات الدين الحقّ وشريعته السمحة.

 

لكي تكون جميلا

 

فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً

فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً

وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً