كلمة السيد العميد بمناسبة حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة كلية العلوم الاسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم.

والصلاة والسلام على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

الحمدُ للهِ الذي شرفَ العلمَ وأهلَه، ورفعَ قدرَ طالبِهِ وحاملِهِ، وجعلَ العلماءَ ورثةَ الأنبياءِ، فكانَ العلمُ نورًا يُبصِرُ به الإنسانُ طريقَه، وميزانًا يهتدي به في مسيرتِهِ. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله.

الأساتذة الافاضل ..... أحبتي وقرة عيني الطلبة..... السادة الضيوف الأكارم.

السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.

آليتُ على نَفسي أنْ يكونَ الحديثُ في مثلِ هكذا مناسبةٍ معَ احبتي الطلبة...... فالعُذر كل العذرِ للآخرينَ الحضور.

أحبتي الطلبة.... أتذكرُ قبل أربع سنواتٍ، وفي مطلعِ عامِكم الدراسي الأول، حينَ استقبلتكُم وبقية الأساتذة الافاضل، أسوةً بكلِ دُفعةٍ دراسيةٍ نَحتفي بها...... تحدثتُ في حينها عن مجموعةِ ثوابتٍ، كانَ منها وأهمُها.... أنَّ يكونَ طالب كلية العلوم الإسلامية فخورًا بانتسابه لكليته، متباهيًا بها، لأنَّ موضوعَهَا رسالةُ السماءِ، رسالةُ اللهِ تعالى التي اصطفَاها على بقيةِ الرسالاتِ السماوية، وتصاغَرتْ أمامها كل الرؤى الأرضيةِ.

وها أنا الآن أًكررُها عليكم أنْ ترفَعوا رؤوسكُم بتاجِ رسالةِ الإسلامِ، ووشحوا صُدوركم بوسامِ القرآنِ الكريم والسنةِ الطاهرة، وأنْ تكحلوا عيونَكم ببصيرةِ ما تَعلمتُم، وتُترجِموا ما تعلمتُموه إلى سلوكٍ سويٍ كاستواءِ السراطِ المستقيم، وتُطيبوا افواهَكُم بعطرِ التسبيحِ والتحميدِ والتهليل.

أعزتي أقول:

 إنَّ يومَكم هذا ليسَ مجردَ محطةِ اختتامٍ، بل هو بدايةُ مسيرةٍ أعظمَ وأعمقَ؛ مسيرةُ العملِ بالعلمِ، وحملِ رسالتِهِ، وتجسيدِ قيمِهِ في واقعِ الحياةِ. فقد قضيتم سنينَ تتلقونَ فيها علومَ الشريعةِ، وتتربّونَ على معاني الإخلاصِ والأمانةِ، فلا يكونُ حقُّ هذا العلمِ أن يُحبسَ في الصدورِ، بل أن يُنشرَ ويُترجمَ في السلوكِ والحضورِ، فالعلم الذي حصّلتموه ليسَ معلوماتٍ تُحفَظُ فحسبُ، بل هو أمانةٌ تُحمَلُ، ورسالةٌ تُبلغُ، ومسؤوليةٌ تُؤدى. فكونوا له حملةً صادقينَ، ومبلغينَ مخلصينَ، ومجددينَ في طرائقِ عرضِهِ، تخاطبونَ به العقولَ بالبيانِ، والقلوبَ بالحكمةِ والإحسانِ.

وإنَّ من أعظمِ ما نأملُه منكم أنْ تكونوا جسورًا حيةً تنقلونَ من خلالها تجربتَكم التعليميةَ والتربويةَ، فلا تكتفوا بما تعلمتم لأنفسِكم، بل اجعلوا منه مشاعلَ تُنيرُ دروبَ الآخرينَ، وابذلوا جهدَكم في تعليمِ الناسِ وتوعيتِهم، وتربيتِهم على القيمِ التي نشأتم عليها.

تذكروا أنَّنا نمر بأزمةٍ حقيقيةٍ أختلت فيها الموازين، وضاعت فيها المعاير، واختلت بوصلة الخير والصلاح والإصلاح، وتاه فيها الإنسان بعدَ أنْ اختلطت الأوراق، فباتَ المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

 أيها الاعزة...... اليوم الأمةَ بحاجةٍ إلى أمناءٍ، والعراقُ الأبي بحاجةٍ هو الآخر إلى أُباة، والإنسانُ المجني عليهِ بحاجةٍ إلى هويتهِ الإنسانيةِ التي تكاد مُسخت وتغيرت معالمُها، القلم يستصرخُ مفتقرًا إلى مدادٍ ليخط كلمة صادقة ينفع بها قُراءهُ.

نعم أيها الأحبة.... اليوم نحن بأمس الحاجة إلى همةٍ وإرادةٍ وعزمٍ..... تحملُ مشاريعَ خيرٍ، تجمع بين صحةِ العلمِ ونُبلِ الخُلُقِ، وبين عمقِ الفهمِ وحسنِ التطبيقِ...... فكونوا أنتم هؤلاءِ، واجعلوا من أنفسِكم نماذجَ يُقتدى بها، لا تنفصلُ فيها المعرفةُ عن السلوكِ، ولا القولُ عن العملِ.

أيُّها الأعزّاءُ، أيُّها الخريجونَ الكرام.

إنَّ الطريقَ أمامكم مفتوحٌ، ولكنَّه ليسَ سهلًا..... فيه تحدّياتٌ وفرصٌ، فاجعلوا من علمِكم دافعًا للعطاءِ، ومن إيمانِكم قوةً للثباتِ، ومن تجربتِكم زادًا تنفعونَ به غيرَكم.

واعلموا أنَّ أثرَكم لا يُقاسُ بما تحفظونَ، بل بما تُحيونَ به القلوبَ، وتُصلحونَ به الواقعَ، فاجعلوا لكلِّ خطوةٍ معنى، ولكلِّ كلمةٍ أثرًا، ولكلِّ موقفٍ رسالةً، رسالةُ تُسهمونَ به إقامةُ دينٍ... وبناءُ إنسانِ.... وإحياءُ وطن.

وفي الختامِ، نباركُ لكم هذا الإنجازَ، ونسألُ اللهَ أن يجعلكم مفاتيحَ خيرِ.

والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ.